متطلبات التحول إلى الاقتصاد القائم على المعرفة

22 نوفمبر 2009

نعني بالاقتصاد القائم على المعرفة knowledge- based economy نموذج التنمية الوطنية الذي ينقلنا من التركيز على الإنتاج القائم على رأس المال و الموارد الطبيعية إلى التركيز على عامل المعرفة إنتاجاً و توزيعاً و استخداماً لتوليد القيمة و الثروة المضافة للاقتصاد الوطني. و من المتوقع أن هذا التطور القائم على إنتاج و استثمار المعرفة من خلال البحث و التطوير و توظيف العلوم و التكنلوجيا سوف يؤدي إلى نمو اقتصادي يفوق النموذج التنموي القديم القائم على مجرد الإنتاج و ذلك بسبب ما يحققه من تنافسية عالية للمنتج أو للخدمة الوطنية أمام منافسة الآخرين المدعومة بتيارات العولمة الإقتصادية العاتية.
و يتطلب تأسيس الإقتصاد الوطني القائم على المعرفة بالدرجة الأولى إنساناً مؤهلاً للتعايش في عصر المعلومات، و عقلية جماعية تشجع التجديد و ترعى و تنمي طاقات الفرد، و مؤسسات توفر الإمكانات والمحاضن للبحث العلمي و النشر المعرفي الواسع، و سياسات لتطوير العلوم و التكنلوجيا و التجديد، و تشريعات تدفع و تيسر و تكافئ الإبداع و أهله. و يأتي على رأس هذه الأمور كلها نظام تعليمي كفء و مرن يغطي مراحل حياة الفرد كلها فيوفر له فرص التأهيل و إعادة التأهيل بأنماط متعددة متنوعة دون حواجز و لا تمييز و لا عقبات مادية و غير مادية. و لا يتأتى ذلك إلا بالحرص على تطبيق معايير الجودة العالمية على مدخلات النظام التعليمي وعلى عملياته مع إدخال التعديلات اللازمة على تلك المعايير إلى ما هو أصلح بالنظر إلى الخصوصيات المحلية. إن هذه الأمور في مجملها تشكل ما يسمى بنظام التجديد Innovation System الذي هو أساس النجاح في تكوين الاقتصاد القائم على المعرفة بالمجتمعات الحديثة.
كما ويلزم لتأسيس نموذج الاقتصاد الجديد هذا إيجاد بنية تحتية من الاتصالات الإلكترونية السريعة ذات الكفاءة العالية، والتحول بالأنماط التقليدية للأعمال والتجارة والتواصل إلى نمط التجارة الإلكترونية e-Commerce وبيئة الأعمال الإلكترونية e-Business كما ويلزم إحداث ثورة في كفاءة الجهاز البيروقراطي بالحكومات وصولاً إلى الحكومة الإلكترونية e-Government.
إن عصر المعلومات كأي مدخل جديد في تاريخ البشرية يمثل فرصة وتحد في آن واحد. فهو فرصة للدول النامية لكي تحرق مراحل تخلفها إن هي أحسنت استثمار هذا المدخل المستجد. وهو تحد وخطر إن هي تقاعست وقبلت بدور المتفرج المتلقي المستهلك. وإن الخطر ليتفاقم في زماننا هذا مع التطوير الهائل لأدوات الوصول وتقارب المسافات مما يتيح المجال للدول المتقدمة أن تفرض سياساتها ومنتجاتها وثقافاتها على الدول المتخلفة عن الركب بشكل اعتى بكثير عما مضى من أشكال الهيمنة. لذلك كان لزاماً أن يقوم النظام التعليمي الوطني بدوره في اتجاهين أساسيين: اتجاه التحصين الذاتي لأفراد الجيل في مواجهة تيارات العولّمة، واتجاه مضاد يتمثل في قبول التحدي واستثمار الإمكانيات الهائلة لعصر المعلومات وتوجيهها نحو التفوق في صراع المنافسة العالمية.